جزء من الإشكال اللغوي و طرافته




شكّلت صُورِيَّة الثُّنائِيّة اللُّغويَّة (Bilinguisme) في نظامنا التعليمي منجماً هائلا للوهم غذّته ظاهرة الاستيلاب الثقافي الناتج عن هشاشة الذوات المعرفية لنُخبة المسارات المَدرَسية -من أساتذة وطلاب- خريجي المناهج التعليمية المقتاتة على ثقافة "المذكرات"، و"التمارين المنزلية" إزاء النفوذ الحضاري للغزو الفرانكفوني.
هذا الوهم الذي كرّسته فوقية الثقافة الفرنسية في الذهن الموريتاني المُستَلِبت، أنتج نخبة وليدة تشكّل معرفيٍ كاذب هي نخبة "Apparemment"، التي توجّهها عقلية "En fait" المرتكزة على الاهتمام المرَضي بالبعد الشكلاني اللغوي المُوهِم بالمعرفة تلقّفاً واستعراضاً دون الاكتراثِ للمعرفة نفسها.
هذه الظاهرة، هي التي جعلت مفردة Francisant - مركزاً علمياً يُقصد لِذاته بفعل عامل الاستيلاب الثقافي المدعوم بفرنسة الإدارة، وتطويع متطلّبات سوق العمل، وبهذا أصبحت تمنح حق امتياز (Privilège) في حقل الفرص. بينما هي في واقع الحال، -وأتحدّث هنا عن وعي ومعايشة ومِران ولاني امبِّهلَلْ- لا تعدو في أغلب الأحيان، أن تكونَ صورة "اسنابشاتية" للمستوى المعرفي، قلتُ اسناشاتية بمعنى أنها مُغرية كصور Snapchat في الافتراض، أي في ظنية الشهادات والقيمة الاسمية للمسار الدراسي (فُلان تعليمُ فرنسي) ومُخيّبة في الواقع، أي في المنتوج المعرفي إن وُجد (ونادرا ما يوجد)، والقيمة العلمية المضافة، أي مظاهر المعرفة على الشخصية (مستوى السلوك وجودة التفكير).

أذكرُ مرّة في إحدى حصص الدّراسة، كان يُقدّم لنا أستاذا فرانكوفونياً متعاقدا درساً في مادةٍ ما، وكان هذا الأستاذ صاحب خبرة عملية الواضح من القيمة العلمية لما كان يُقدّم أنّها خبرة مُعايشة لا خبرة عالِمَة، أي غير وليدة مسار معرفي مؤطر، ولم أكن اكترث لما يُقدّم لسببين : 
الأول أنّ المادة قانونية وهو ليس قانوني، والثاني أنّ المادة مُلتقى طُرق بين علمين مختلفين تتطلّب مستوى معتبر من الفهم القانوني الناضج وسعة الاطلاع، وهو مستواه المعرفي (وأعني هنا مستوى الاطلاع، وجودة الفهم، وعلمية المخرجات) متوضع جدا. 

مرّة قاده الشّرح إلى حقل الصفقات العمومية والعقود الإدارية، وأثناء حديثه ذكر نظرية فعل الأمير (Théorie du fait du prince) فدفعني الفضول إلى معرفة مستوى فهمه وإدراكه لأبعاد ودلالات النظرية مخافة أن تكون مادة لسؤال الامتحان فأروح ضحية "اتقشمي"، فسألته ماذا تعني؟ 
فدخلنا في دوامة "Apparemment" و "En fait"، وانتهي المطاف بنا إلى تفسيرٍ أقسم بالله عارفاً مافي اليمين على الله، أنّه كان في قمّة التفاهة والسخافة. 

موجبُه أنّه آن الأوان لأن نتصالح مع ذواتنا، ونصارح أنفسنا، ونكفّ عن نشر ثقافة الوهم بإدراك خطورة الاستيلاب الثقافي في تكوين الأجيال.

محمد سالم محمد بلاه 




يتم التشغيل بواسطة Blogger.