المشروع الحضاري القومي العربي..إشيب ولد أباتي

الواجهة- في المقال السابق، قدمت فيه “عينة”  لعوامل النهضة العربية،  وكنت غير مقتنع  بأني  وفيت الموضوع حقه – في مقال قصير- ، كما يجب من اتباع الخطوات المنهجية التي تواضع الباحثون عليها :  تعريفا، واكتناها للمسببات، وعرضا  للظواهر..
 وإن كان  آراء المشاركين التسعة(٩) في التعليقات التوجيهية،  اغرتني تشجيعا، فأحدهم – حتى لا  يتعين ذكر أسمائهم كما يجب في حقهم، غير أن المقام لا يسمح بذلك حسب منهجية الكتاب في المقالات المنشورة في” رأي اليوم “، كتب  تقييما للمعلومات  التي وردت في المقال “  مقال دقيق، يؤرخ بدقة لمعالم النهضة العربية، و يوضح أهم المدارس،  و المشارف الفكرية “.
وهذا  التقييم،  يفهم  من جهة الإطراء التربوي على أساس الاستحثاث  للاستقصاء من أجل اعطاء الموضوع ما يستحقه في سبيل  اطلاع القارئ العربي  على الأكثر  من الأحداث التاريخية التي،  تقوي عزائمنا اليوم  للمضي بمشروع نهضة  أمتنا خطوات، عساها أن  تقرب الأجيال العربية الحاضرة، واللاحقة،  وتدعوها لمواصلة هذا النهج الصحيح الذي،  استشهد في سبيله خير سلف من رواد النهضة، وثوارها،  تقربا لله تعالى، وأداء مشرفا لتحمل الأمانة التي تستدرج الوعي العام لتلمس استنزاله لمشروعه الحضاري القومي العربي الى الواقع العملي، الأمر الذي جعل منه مشروعا وحدويا مكتملا في التنظير للفكر السياسي المطالب بدولة  الوحدة العربية  لأمتنا  من المحيط  الاطلسي الى الخليج  العربي، في الجنوب الغربي  لآسيا إلى  الشمال الشرقي لإفريقية..
  وهو الذي سيكون المساحة  لدولة الأمة، المحددة لمعالم الحاضر الموعود، لا القائم المتقوقع في أركانه المتداعية  للدولة ” القطرية”، بل  الذي تنشده الأجيال  حين تستحقه عن جدارة، وتفرض فيه  طموحاتها، لأن المصير المشترك  معلق على  إنجاز هذا المشروع  الذي، تجاوز الأحلام” الطوباوية “، والخطب العاطفية التوعوية إلى مطالب المواطن العربي  اليومية التي، شكلت وعيه الوجودي فيما،  يطرح أكثر من أي وقت مضى  من مطالب الوطن، والمواطن معا  في الحماية، تجسيدا لفكرة التحرير من الاحتلال الصهيوني- الأمريكي، لتأتي تاليا المطالب  اليومية التي حملت العديد من شباب الأمة على التنقل من الدولة القطرية  – في أحسن الأحوال – الى  اقطار  أخري،  الأمر الذي، يعكس   القناعة، وفي نفس الوقت، التمسك بحق شباب الأمة  في حياة كريمة  في الوطن العربي الكبير الذي، يجب أن تتحقق فيه كامل المطالب المدنية من عدالة اجتماعية ، وسياسية، عجز حكام  الدولة ” القطرية،  الطائفية  الأندلسية” المستحضرة من تاريخ الهزائم المريرة، عن القيام بمسؤولياتها في التحرير ، والاستقلال ، والسيادة الوطنية، والتحديث الراهن عليه في التقدم الحضاري ..
لذلك، فدولة  الوحدة، هي دولة الحق العام، دولة المسؤوليات، لأنها، القادرة على أدائها لمستحقيها من أبناء الأمة في دولتهم الوحدوية التي  تراهن الأجيال عليها بوعيها لذاتها في اطروحات الوعي العام الجمعي  – وليس الوعي النخبوي فحسب –  الذي  تلتقي روافده  من كل حدب، و صوب  في مجرى تيار التاريخ الوحدوي الذي، ترتفع  شطئانه ” الاطلسية ” عالية  بثورانها الجارف الى اعماق  مجتمعاتنا وصولا  ل”خليجنا ” العربي الهادر، على طول،  وعرض  الأركان التي  أسست للاستنهاض في نهضة  العرب التي، انطلقت شراراتها المتقدة  منذ القرنين ( ١٧٣٩ –   ١٩٣٩ م ) – على رأي الراحل  جورج طرابيشي في كتابه المثقفون العرب – .

والسؤال الذي يطرح نفسه للإجابة عليه  في المقال،  وقد  أثاره في ذهني – وربما في ذهن غيري – هو:  إذا كانت عوامل التخلف،  والقهر السياسي التركي، والاحتلال العسكري الغربي مسببات مباشرة لتنامي دور المقاومات العربية… فما تأثير الوقائع، الأحداث العربية  حينئذ  في مواجهة الاحتلالات الغربية  للمراكز الحضرية العربية، وتجمعاتها  الكبيرة، ولتكن  الثورات   نماذج،  يستنار بها من ماضينا القريب، لحاضرنا الذي، يجب  تغييره بالعمل، والفكر النقدي، والتنظيري معا على غرار الفكر  السياسي للشهيد الراحل عبد الرحمن الكواكبي المناهض ل ” لأستبداد  ومصارع الاستعباد” في كتابه الذي حمل هذا العنوان، و كتابه الآخر ” أم القرى” في وضع تصور أولي للدولة العربية الاسلامية.. ؟
إن هذه المراجعة، التذكيرية المقتطفة من ذاكرة  تاريخ المقاومات العريية،  ينبغي  أن تفهم  في إطار استرجاع فكر النهضة، وللاستئناس بروح الوعي السياسي في مواجهته لتحديات الواقع بما،  تستحق من التنظير نقدا، وتأسيسا في واحد من المشاريع الوحدوية حيث سيبقى الفكر، يتجدد  بطرفي  جدلية  الطموح، والتغلب على التحديات معا..
وقبل  استخلاص العبر من  أهم  مرتكزات فكر عبد الرحمن  الكواكبي،  لا باعتباره ” عينة” ممثلة  لفكر النهضة التوعوي تحديدا،  بل كواحد من انضج التنظيرات السياسية  ابداعا  قياسا على ما سبقه، وما تلاه  من منظري النهضة، ذلك ان  رؤى الكواكبي كانت مزدوجة  بمناداته من اجل الانفصال عن التجربة  السياسية  للسلطنة العثمانية  التركية  الثاوية ، وطرحه الجريء  لمشروع ” دولة الخلافة العربية  الإسلامية، وعاصمتها  ” مكة” المكرمة،  اقدس الأماكن، تهوي إليها الأفئدة.
والباحث استوقفه – مليا – مشاهد من الوصلات الرابطة بين حلقات تاريخ الثورات العربية بما يبرر الأخيرة في النقد اللاذع  الذي تتبعه الكواكبي في تقديمه  للممارسة السياسية، وفي تأريخه للاحتكاك غير الودي  الذي شكل كلا الميزاجين العربي، والتركي معا، و هما اللذان تتبعهما الباحث – في كتاب الاستبداد ومصارع الاستعباد – في الأمثال المتداولة التي تتضمن الشتم، والسباب، والاحتقار للمحكومين، وهم تحت نير حكم الغالبين، المتحكمين  من الأتراك، و العثمانيين معا في مصائر العرب، وفي ذلك تأكيد بالغ للسخرية في أن “مصائب قوم عند قوم فوائد “…. !
 واستشراف المستقبل في فكر الكواكبي يتمثل في الخروج ا الضروري من تبعات  هزائم الاتراك  التي فاقم منها  ابرام  المعاهدات  الخيانية المتتالية  للأمة العربية، كما حصل  في مصر الكنانة، وذلك :
“بتوقيع معاهدة لندن بتاريخ 15 يوليو 1840م، بين النمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا من جانب والسلطنة العثمانية من جانب آخر، تكون قد انتهت حقبة كاملة من النهوض المصرى الذى إبتدأ بموجة المقاومة الشعبية للغزو الفرنسى بمصر، والتى إمتدت ما بين 1779م حتى 1805م، عندما قام المصريون بخلع [ خورشيد باشا ]، ليسقطوا الحكم التركى العثمانى لمصر، وإن بقت للخلافة قوتها المعنوية”. (١)
ولعل المؤرخين، لم يبالغوا  في توصيف  السياسة العثمانية، وخروقاتها للمنطلقات الشرعية، الدينية والأخلاقية في  الهروب الانهزامي، وتنقيعه بالوعي الانتقامي من الصالح العام العربي في حوادث التاريخ ،  الأمر الذي أدى الى بلورة اتجاهين: الأول تصدى بعلماء الأمة في” الأزهر” الشريف، ومعهم القوى الحية.. والثاني فريق تبريري لسياسة “الباب العالي” ومن ناب عن الأخير بقوة الاحتلال المناهض  من طرف الرأي العام الذي  قدم إداناته الصريحة للعلماء  الذين طأطأوا هامة العلم بما كان في تفكيرهم من خنوع، دنس رسالة الإسلام التحريرية، وذلك حين، وقفوا صاغرين أمام جبروت “نابليون”  الاستعماري،، فماكان من الرأي العام الجمعي إلا  نبذهم، وانزلهم  عن كرسي الاحترام، والتقدير الذي كانوا يجلسون عليه في محاريب العبادة والفكر القائد لمصالح الأمة.
و ما لبث  الرأي الجمعي العام، إلا أن ناهضهم، وفي مقابل ذلك رفع من شأن  العلماء الذين لم تنل من عزائكم جبروت الاحتلال الفرنسي، ولم يخافوا في الله لومة لائم عن المواجهة، وردع الاحتلال،  والتصدي لقواه الغاشمة، فاستحقوا من التقدير تلك الرمزية كلما ذكر الذاكرون الظواهر الجليلة في التضحيات التي خلدت الأسماء في سجل تاريخ المقاومات الوطنية، والقومية في تاريخنا العربي ..وذلك بمقتضى  ميزان  الانصاف، وتثمين دور العلماء، والمقاومين الحاضرين في المخيال العام في ثقافة الأمة، كما نستجلي ذلك في الاقتباس التالي: ” كانت الشرارة الأولى للثورة التى إندلعت فى 21 أكتوبر 1798م، قد أطلقها شيخ صغير من مشايخ الأزهر، خرج من الجامع، ونادى فى المدينة بإجتماع من يؤمن بالله واليوم الآخر.. على الجامع الأزهر، لمغازاة الكفار .
هذه الإنطلاقة من الأزهر هى التى دفعت “نابليون” لإحتلال الجامع بعد كسر الثورة، كذا قراره بإعدام ستة من الشيوخ من أواسط علماء الأزهر، خلاف آخرين كانوا أعضاءاً فى مجلس الدفاع، الذى كان يقود الثورة، وكانوا بالمجمل ثمانين عضواً، أبرزهم الستة السالف ذكرهم، وهم:-
الشيخ أحمد الشرقاوى.
الشيخ عبد الوهاب الشبراوى.
الشيخ يوسف المصيلحى.
الشيخ إسماعيل البراوى.
الشيخ عبد القاسم.
الشيخ سليمان الجوسقى.”   (٢)
وقبل تفسير الأحداث التاريخية بما لا يحتمله منطق التاريخ لدى تسجيله  لاسماء المقاومين للمحتل على صفحاته المشرقة، واستبقائه لأهل الفكر كالكواكب الدائمة الاشراق في الأفق المفتوح على أزمنته: الماضي، والحاضر، والمستقبل، ويستنار بها في ظلمة المراحل الدامسة من تاريخ الأمة.
وإمعانه في تسجيل المنبطحين من قادة الرأي العام كالنخب العربية، واهل القلم، ورجال الفكر، والدين من علماء السلاطين الذين هم خارج متن التاريخ، لكن أسماءهم محجوزة في الهامش، المذيل  في أسفل الصفحات، حتى لا يتجنبوا ” اللعنات ” في منحدر الاحتقار، ومن اجل التطهير كل يرميها بما اقترفت، و بما استحقت من لعنات، شأن  كل خائن، او متردد، او مستأثر لمصالحه الذاتية…
  والآن نتساءل تحت تأثير المرارة من وقع الخيانات، متوقعين عاقبة عدم الاحترام والتقدير لمن باعوا دينهم، وضمائرهم، واوطانهم، وتركوا أمتهم تصارع التحديات ، وظهرها الى الحائط..
فهل يتوقع أحد، أن تقف اجيال الأمة بالحياد دون أن تلعن الخائنين على خيانتهم، و لا يهمها من نضال المقاومين؟
كلا، وربي، فستطلع اجيال الأمة العربية على  قادة الرأي العام العربي، ودعاته، وعلمائه اليوم على غرار اطلاعنا على اسماء العلماء الشهداء الستة –  رحمهم الله تعالى – في الاقتباس اعلاه..
والسؤال الذي يجب استحضاره ، هو : هل سيخلد التاريخ الوطني والقومي،  اسم الداعية المعروف رحمه الله تعالى   في قوله: ” سجدت لله شاكرا، يوم أن علمت  ب” هزيمة  حزيران ١٩٦٧م” ، فقيل له، سجدت  لربك شاكرا،  أو صابرا؟ فقال: شاكرا، لأنها هزيمة لقادة الاشتراكية العربية” !
 وهل سيخلد التاريخ اسم العالم  الجليل – رحمه الله تعالى- يوم كان  رئيسا لرابطة العالم الاسلامي حين أفتى، بالاستعانة بجيوش الاحتلال الامريكي، والانجليزي، واستقدمها لبلاد العرب سنة ١٩٩٠م ..
وقد أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود منها، ليطهرها من تدنيسهم للمقدسات، ولما أعادهم المفتي اليها، ليعيثوا الفساد، ويسرق سواح الصهاينة من فنادق دوبي، فرشاة الاسنان، والمناديل، ويسبيحوا الممتلكات لأنها للعرب ” الأغيار” ؟!
 
وهل سيخلد التاريخ اسم العالم الجليل، حين قرأ الآية القرآنية – على هواه السياسي الانتفاعي –  ” ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما “، – صدق الله العظيم –  بينما العالم الجليل  ” التطبيعي” الإبراهامي، أراد ب( السلام ) أن يكون من أساسات بناء ” الهيكل” على انقاضي المسجد الأقصى ” الذي باركنا حوله لينريه من آياتنا إنه هو السميع العليم. “
 بينما دعاة ” الابراهامية”  من ذوات الرأسين: الفاتيكاني، والصهيوني، والذيل الإبراهامي،، سعوا لتدنيس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين..
فأي موضع سيسجلهم التاريخ دون أن يغفلهم  في هوامش الهوامش في أسفل السافلين؟!
يتم التشغيل بواسطة Blogger.