الهيدروجين الأخضر في موريتانيا: بين الطموح الاستراتيجي والواقعية الصناعية





وكالة أخبار البيئة | لقد قدمت موريتانيا، من خلال تعهدات رئيس الجمهورية لسنة 2019، رؤية عامة حول إعادة هيكلة وتطوير منظومة الطاقة باعتبارها الرافعة الأساسية لنهضة البلد وازدهاره الاقتصادي. وحديثنا هنا يدخل في إطار السعي المتواضع لتوضيح وإلقاء الضوء على مكامن الخطر والقصور، من أجل أن نصل جميعاً إلى الهدف الأسمى، وهو الوصول بهذه الدولة إلى منظومة طاقوية متكاملة، ومكامن سيادية، ومكاسب اقتصادية تنموية حقيقية. فالنجاح في الميدان لن يُقاس بحجم المبالغات التسويقية للمطورين أو بعدد مذكرات التفاهم الموقعة، بل بمدى قدرتنا على تحويل هذه الهبة الإلهية والمقدرات الطبيعية (الشمس، والرياح، والمساحات الشاسعة) إلى بنية تحتية حديثة واقتصاد حقيقي مستدام يخلق فرص عمل للمواطنين ويضمن السيادة الاقتصادية الكاملة على الأرض.
وفي مقابل الزخم التشريعي والسياسي الحالي، ثمة حقيقة صناعية وتكنولوجية تفرض نفسها: 
الهيدروجين الأخضر ليس حلاً جاهزاً، بل هو صناعة جنينية تواجه تحديات لوجستية وتقنية معقدة
إن تضخيم الآمال في الشارع يرجع بالأساس إلى طبيعة "الخطاب التجاري" للمطورين؛ فهؤلاء المستثمرون يحتاجون إلى تمويلات فلكية لشراء التوربينات والألواح وتأسيس البنية التحتية، مما يجبرهم على تبني لغة ترويجية واعدة جداً لجذب صناديق الاستثمار العالمية. هذا الخطاب ينعكس تلقائياً على الرأي العام، فيرفع سقف التوقعات الشعبية إلى مستويات قد لا تتطابق مع العوائد القريبة المباشرة.


ولفهم المشهد بعمق، يجب تفكيك تحديات الهيدروجين الأخضر إلى أربعة أبعاد هيكلية : 
1. تحدي البحث العلمي والتكنولوجيا (عقدة الفقد والفيزياء):
يقف العلم اليوم حائراً أمام معضلتين فيزيائيتين يبحث العلماء جاهدين عن حلول لهما:
معضلة النقل والتخزين:
الهيدروجين هو أخف عنصر في الكون، جزيئاته متناهية الصغر وتتسرب من أدق المسامات، كما أنه يسبب تآكلاً وهشاشة للمعادن والأنابيب (Hydrogen Embrittlement).

نسبة الفقد العالية (كفاءة الطاقة):
 عمليات التحويل تشهد هدراً هائلاً للطاقة. فمنذ لحظة توليد الكهرباء النظيفة، مروراً بالتحليل الكهربائي، ثم ضغط الغاز أو تسييله (عند درجات حرارة تصل إلى -253 مئوية) أو تحويله إلى أمونيا، وصولاً إلى نقله وإعادة استخدامه، تفقد المنظومة ما بين 50% إلى 60% من طاقتها الأصلية. العلماء يعملون حالياً على تطوير مواد جديدة للمصانع والناقلات لتقليل هذا الفقد، لكن الصناعة لم تصل بعد إلى الكفاءة الاقتصادية المثلى.
2. تحدي المطورين والتمويل (الاقتصاد الدائري والتكلفة الرأسمالية):
تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر ما زالت باهظة جداً وتتطلب استثمارات رأسمالية مرعبة لبناء المزارع الشمسية والمراوح الضخمة للرياح. لتخفيف هذا العبء، يتجه المطورون نحو **الاقتصاد الدائري (Circular Economy)** لتثمين المخرجات الثانوية للمشروع :
سلسلة الإنتاج الأساسية: 
تشمل جلب مياه البحر إلى محطات التحلية، ثم دفعها إلى محطة عزل الهيدروجين عن الأكسجين والملح، ثم معالجة الغاز بالضغط أو التسييل أو تحويله لأمونيا.
استغلال الأكسجين الثانوي:
تنتج عملية الفصل كميات هائلة من الأكسجين النقي. بدلاً من هدره في الهواء، يمكن للمطورين تسييله وإعادة بيعه للقطاعات الصناعية والصحية لخلق مصدر دخل موازٍ.
استخراج الأملاح:
 معالجة الملح والمعادن الناتجة عن التحلية وإعادة توجيهها للاستهلاك البشري أو الصناعي كمنتج تجاري إضافي.
3. تحدي الاستدامة والمتابعة البيئية (معضلة المحلول الملحي) :
الجانب الأكثر حساسية في مشاريع الهيدروجين هو ناتج تحلية المياه: المحلول الملحي عالي التركيز (Brine)
الخطر البيئي الحرج:
إعادة ضخ هذا الماء شديد الملوحة والمحمل بالمواد الكيميائية إلى البحر دون دراسة دقيقة لتيارات المصب، يؤدي إلى تدمير البيئة البحرية وتوليد "مناطق ميتة" تقضي على الثروة السمكية. كما أن أي تسرب منه نحو المياه الجوفية القريبة من الشاطئ يهدد المخزون المائي الاستراتيجي للبلد.

دور الدولة الرقابي: 
يجب على الدولة فرض آليات متابعة بيئية هندسية صارمة ودورية، وإلزام الشركات بتقنيات تشتيت حديثة لضمان عدم إلحاق ضرر بالمحيط الحيوي.

4. تحدي السوق والمشتري النهائي (تردد الطلب العالمي)
السوق العالمي للهيدروجين الأخضر لم ينضج بعد ليخلق طلباً حقيقياً مستداماً:
ارتفاع الأسعار:
الصناعات الثقيلة العالمية (كالصلب والأسمنت والكيماويات) ما زالت مترددة في التحول الكامل للهيدروجين لأن سعره الحالي لا يمكنه منافسة الغاز الطبيعي أو الهيدروجين الرمادي.
مخاطر قطاع النقل:
استخدام الهيدروجين في السيارات والصناعات الثقيلة ما زال يطرح هواجس أمنية وتقنية تتعلق بالسلامة وضغط التخزين، مما يجعل السوق "متحفظاً" وينتظر هبوط الأسعار
5. تحدي الدولة المضيفة (البنية التحتية والاشتراطات التنموية)
هنا تكمن لب القضية ومحور السيادة الوطنية؛ فموريتانيا أمام تحدي الجاهزية والاستغلال الذكي:
البنية التحتية اللوجستية:
المشاريع تحتاج فوراً إلى سكك حديدية وطرق حديثة تربط أعماق الصحراء بالموانئ، وموانئ مجهزة بأرصفة متخصصة، وشبكات اتصالات رقمية تغطي خطوط الإنتاج، وحضور أمني دائم لحماية المنشآت.
المقايضة التنموية (استغلال الماء الشروب):
 يجب على الدولة فرض اشتراطات تنموية في العقود تلزم المنتج بتوجيه جزء من الماء العذب الناتج عن التحلية إلى شبكة المياه المحلية لأقرب مدينة مساهمة في حل أزمة العطش. وإذا كان المشروع في منطقة نائية، يُلزم المطور بإنشاء **مزارع نموذجية قريبة** تعتمد على هذا الماء الحلو لإنشاء قطب زراعي محلي ومكافحة التصحر.
المحتوى المحلي والسيادة الاقتصادية:
 يجب حسم طريقة الاستفادة؛ هل نحن مجرد محصلي ضرائب وحقوق ملكية أرض؟ أم شركاء في المنتج؟ والتحدي الأكبر هو فرض تطبيق صارم وقاسٍ لرؤية المحتوى المحلي (Local Content)، وإلزام الشركات الأجنبية بالاعتماد على الشركات المحلية لمقدمي الخدمات، وفرض قوانين تشغيل تمنح أولوية مطلقة للموريتانيين مع برامج حقيقية لتوطين الوظائف ونقل الخبرات والمعرفة.
السوق المحلي:
 تطلع الدولة لتأسيس برنامج وطني يوجه الأقطاب التعدينية الثلاثة الكبرى في البلاد نحو اعتماد الهيدروجين كوقود مستقبلي لتقليل التبعية للخارج وتشجيع رأس المال الوطن.

الخارطة التنافسية: كيف نفوز في السباق الإقليمي؟
موريتانيا ليست وحدها في الميدان؛ فالسباق في شمال وغرب إفريقيا محتدم جداً:|
 



استراتيجية الفوز لموريتانيا:
لكي تسبق موريتانيا جيرانها، لا يكفي القول إننا نمتلك مساحات أوسع وشطآن أطول، بل يجب التركيز على أوراق القوة التالية:
1. السرعه والمرونة التنظيمية :
  استغلال أطر الحوكمة الجديدة (كالوكالة الوطنية للهيدروجين الأخضر والشباك الموحد) لتقليل البيروقراطية إلى الصفر، وتوفير أسرع منظومة تراخيص في إفريقيا (تجاوز نقطة ضعف الجزائر التاريخية في الإجراءات).
2. دمج قطاع التعدين (الميزة النسبية المطلقة):
ربط الهيدروجين بصناعة الصلب الأخضر محلياً عبر خامات الحديد الوطنية. 
المغرب ومصر لا يملكون خامات حديد ضخمة كموريتانيا؛ تحويل الحديد إلى "حديد مختزل أخضر (DRI)  
تصديره يمنحنا تفوقاً استراتيجياً وصناعياً لا يملكه أحد في المنطقة.
3. الاشتراطات المتبادلة مبكراً:
ربط منح التراخيص للمطورين بمدى التزامهم بتمويل البنية التحتية المشتركة، وحماية البيئة البحرية والجوفية من مخلفات التحلية، وتدوير الاقتصاد عبر استغلال الأكسجين والملح، وضخ اجزء من المياه العذبة للمدن والمزارع، إضافةً إلى إلزامهم بتدريب وتأهيل الكوادر والعمالة المحلية ونقل الخبرات والمعرفة الفنية، بما يضمن بناء قدرات وطنية مستدامة، ليتناغم الاستثمار الأجنبي بالكامل مع غايات الرؤية الطاقوية الوطنية المنبثقة عن تعهدات 2019..

 إن البدء الفعلي في وضع القطار التشريعي والتنظيمي على السكة خطوة موفقة وجادة، لكن التحدي الأكبر يظل في تكاتف الجهود الوطنية، والرقابة الفنية الصارمة، لضمان ألا تضيع الهوية التنموية للمشروع، ولتتحول هذه المقدرات إلى سيادة اقتصادية كاملة على الأرض.

علي سالم السالك / مهندس

يتم التشغيل بواسطة Blogger.