الهيدوجين الأخضر و موريتانيا و الطموح المتزايد



وكالة أخبار البيئة - في خضم الحماس المتزايد حول مشاريع الهيدروجين الأخضر، وما يصاحبه من خطابات تفاؤلية واسعة خلال منتدى “أفريكا سيو فوروم 2026”، تبقى الحاجة ملحة إلى قدر أكبر من الواقعية والهدوء في الطرح، خصوصا حين يتعلق الأمر بتشكيل وعي الرأي العام وتوجيه توقعاته الاقتصادية.

لا شك أن المنتدى يمثل منصة مهمة للترويج لموريتانيا واستقطاب الاهتمام الدولي بفرصها الاستثمارية، كما أن الحديث عن تطوير قطاعات الغاز والمعادن والطاقة المتجددة يعكس طموحا مشروعا لبناء اقتصاد أكثر تنوعا. غير أن الخطاب المصاحب للهيدروجين الأخضر تحديدا يحتاج إلى شيء من التوازن، بعيدا عن المبالغة التسويقية التي أصبحت ترافق هذا القطاع عالميا.

بداية، من المهم توضيح أن “الهيدروجين” ليس نوعا واحدا كما يُطرح أحيانا في الخطاب العام. فالهيدروجين الأبيض هو الهيدروجين الطبيعي الموجود في باطن الأرض، وهو نادر جدا عالميا. أما بقية “الألوان” فهي مجرد تصنيفات مرتبطة بطريقة الإنتاج، وليس بطبيعة المادة نفسها.

ما يهم موريتانيا تحديدا هو الهيدروجين الأخضر، وهو لا يُستخرج من الأرض، بل يُنتج صناعيا عبر تحليل الماء كهربائيا باستخدام طاقة متجددة مصدرها الرياح أو الشمس. وهنا تكمن بالفعل إحدى نقاط قوة موريتانيا: توفر المساحات الشاسعة، والرياح القوية، والإشعاع الشمسي المرتفع. بمعنى آخر، ما نملكه هو بيئة مناسبة لإنتاج الطاقة التي ستُشغّل المصانع، وليس “الهيدروجين” ذاته كموارد طبيعية جاهزة.

لكن هنا يبدأ الجزء الأكثر تعقيدا، وهو الجزء الذي غالبا ما يغيب عن الخطابات المتفائلة.

موريتانيا، في هذا النموذج، ليست المنتج النهائي بقدر ما هي منصة إنتاج أو “رحم صناعي” لمنتج ما يزال العالم نفسه مترددا في اعتماده على نطاق واسع كبديل فعلي للطاقة الأحفورية. فالهيدروجين الأخضر، رغم جاذبيته البيئية، ما يزال يعاني من تحديات هيكلية عميقة.

أول هذه التحديات هو التكلفة المرتفعة جدا للإنتاج مقارنة بالنفط والغاز. فحتى اليوم، لا تزال تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر أعلى بكثير من تكلفة الطاقة التقليدية، وهو ما يجعل هامش الربحية فيه محدودا ويضعف تنافسيته الاقتصادية.

أما التحدي الثاني فيتعلق بالنقل والتخزين. فالهيدروجين مادة صعبة النقل، ما يفرض غالبا تحويله إلى أمونيا من أجل شحنه بحريا، ثم إعادة تحويله مجددا إلى هيدروجين عند الوصول. وهذه العمليات ليست فقط مكلفة، بل تؤدي أيضا إلى فقدان جزء معتبر من الطاقة أثناء التحويلات المتعددة.

ثم تأتي معضلة السوق نفسها. فحتى الآن، لم تتجه الصناعات الثقيلة العالمية بشكل واسع نحو الاعتماد على الهيدروجين، ليس رفضا للفكرة، بل لأن البنية التحتية العالمية، وسلاسل التوريد، والتقنيات المرافقة، ما تزال غير مكتملة وغير جاهزة اقتصاديا.

ولعل من المفيد التذكير بأن عددا من المشاريع العالمية الكبرى دخلت هذا المجال تحت تأثير موجة التفاؤل والدعاية البيئية، قبل أن تصطدم بحقيقة أن السوق الاستهلاكية لم تنضج بعد بالشكل الكافي. فهناك فرق كبير بين منتج قابل للإنتاج، ومنتج قابل للتسويق على نطاق اقتصادي واسع.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الخطاب الوردي غير المنضبط. فحين تختلط الأمنيات بالحقائق، ويُقدَّم المستقبل وكأنه حاضر، يصبح الرأي العام عرضة لتوقعات غير واقعية، ثم تأتي الصدمة لاحقا حين يصطدم الناس بحقائق السوق والاقتصاد والتكنولوجيا.

الهيدروجين الأخضر قد يكون بالفعل جزءا من مستقبل الطاقة العالمي، وقد يتحول يوما ما إلى حل مهم في مزيج الطاقة العالمي، لكن القول إنه البديل الجاهز اليوم أو غدا القريب، فيه قدر كبير من المبالغة.

العقلانية لا تعني رفض المشاريع، كما أن الواقعية لا تعني التشاؤم. المطلوب فقط هو تقديم الأمور كما هي: مشروع واعد نعم، لكنه ما يزال في مرحلة مبكرة عالميا، تحيط به تحديات تقنية وتجارية ولوجستية وتمويلية كبيرة.

موريتانيا تحتاج إلى الهدوء في بناء هذا الملف، وإلى تجنب رفع سقف التوقعات لدى المواطنين قبل نضوج الوقائع على الأرض. فالترويج المفرط لأي مشروع قبل اكتمال شروط نجاحه قد يخلق لاحقا فجوة خطيرة بين الخطاب والواقع.

الخلاصة ببساطة:
الهيدروجين الأخضر قد يكون أحد حلول المستقبل، لكن المستقبل لم يصل بعد. وما تزال هناك تحديات حقيقية تتعلق بالتكلفة، والنقل، والتسويق، والبنية التحتية العالمية، تجعل من الحكمة التريث، وعدم الانجرار وراء الخطابات التسويقية التي يفرضها أحيانا بحث المطورين عن المستثمرين، وبحث المستثمرين أنفسهم عن مشترين لمنتج لم يكتمل سوقه بعد.

الرهان الحقيقي ليس في بيع الأحلام، بل في قراءة الواقع كما هو، والاستعداد للمستقبل بعقل بارد لا بالعواطف المشتعله.

المهندس علي سالم ولد السالك

يتم التشغيل بواسطة Blogger.