أزمة المحروقات في موريتانيا..المشكلة هي ابريك صانع القرار
الزيادات الأخيرة المتتالية في أسعار المحروقات بموريتانيا ليست مجرد أرقام تعدل على شاشات محطات الوقود، بل هي صدمات متلاحقة تضرب عمق الاستقرار المالي للأسر، وتضع "التوازنات المحاسبية" للدولة في مواجهة مباشرة مع "التوازنات الاجتماعية" لنبض الشارع.
نستعرض هنا تفكيكاً شاملا لبنية الأسعار والخلل الهيكلي والمنهجي الذي يرافق هذه القرارات.
- صدمات متلاحقة وفلسفة "الجرعات القاتلة"
في علم الاقتصاد، عندما تلجأ الدول إلى رفع الدعم أو تحرير الأسعار استجابةً لالتزامات دولية (كشروط صندوق النقد الدولي) أو لسد عجز الموازنة، فإنها تعتمد مبدأ "التدرج الجرعاتي" لمنح السوق والقدرة الشرائية فرصة للتكيف.
لكن ما حدث في موريتانيا خلال الأشهر الأخيرة كسر هذه القاعدة العلمية؛ حيث أُقرّت "أربع زيادات متتالية في نحو 90 يوماً فقط" (مارس، أواخر مارس، مايو، ثم يونيو ). هذا التتابع الزمني الضيق حرم الاقتصاد المحلي والشركات الصغيرة والأسر من التقاط الأنفاس أو القدرة على التخطيط المالي، مما يشير إلى الانتقال من "التحرير ذي الاتجاه الواحد" إلى "التعويم الكامل"، لتتجاوز أسعار الوقود في موريتانيا متوسط السعر في السنغال وساحل العاج، وتقترب بشكل غير مألوف من المستويات الأوروبية، رغم الفارق الشاسع في مستويات الدخل.
- معضلة "الجيب المزدوج" ولعبة الأرقام المحاسبية
تُظهر البنية الضريبية الجديدة للمحروقات مفارقة اقتصادية صارخة تعتمد على سياسة "الجيب المزدوج": فرض ضرائب باهظة من جهة، ثم التدخل جزئياً لتقديم "دعم" صوري من جهة أخرى، مما يخلق دورة محاسبية معقدة تغيب عنها الشفافية.
1. البنزين (Essence): المموّل الأول للخزينة
يتحمل مستهلك البنزين عبئاً ضريبياً خالصاً يبلغ "20.31 أوقية عن كل لتر" دون أي دعم يُذكر. تمثل الضرائب هنا "50.08% من تكلفة الشراء" (ونحو 31.3% من السعر النهائي للمضخة). هذا التدفق النقدي الصافي تستخدمه الدولة محاسبياً لتغطية العجز الحاصل في مواد أخرى.
2. الديزل (Gasoil): أسطورة الدعم الحكومي
الخطاب الرسمي يتحدث عن دعم الديزل بمقدار 9.18 أوقية/لتر. لكن لغة الأرقام تكشف أن الدولة تفرض 17.80 أوقية كضرائب (حيث يبلغ العبء الضريبي 36.92%)، ثم تتنازل عن جزء منها كدعم. النتيجة؟ الدولة لا تدفع أوقية واحدة من خارج قطاع المحروقات، بل تخرج بربح صافي قدره +8.62 أوقية عن كل لتر ديزل يباع في السوق.
3. الكيروسين (وقود الطائرات): المدعوم الحقيقي الوحيد
في مفارقة غريبة، المادة الوحيدة التي يتجاوز فيها الدعم المباشر قيمته الضريبية هي الكيروسين؛ حيث تدفع الدولة فارقا مقداره 16.62 أوقية/لتر بينما تجني منه ضرائب بـ 14.91 أوقية، مما يتسبب في عجز حقيقي صافي تتحمله الدولة قدره -1.71 أوقية لكل لتر.
وكان الأجدى اقتصادياً وتنموياً خفض الرسوم والضرائب من المنبع مباشرة لتخفيف السعر، بدلا من تدوير الأموال عبر صناديق دعم وموازنات معقدة قد يشوب تسييرها اختلالات تعرض شفافيتها للطعن.
>
5 إخفاقات منهجية في الحوكمة والعدالة
إن أزمة المحروقات في موريتانيا لم تعد أزمة "سعر وتكلفة دولية" بقدر ما هي أزمة حوكمة وعقلانية اقتصادية، تتجلى في خمسة عيوب رئيسية:
- أولا: غياب العدالة البيئية (ضريبة الكربون الصورية): يفرض بند "المساهمة المناخية" (Contribution Climat) ضريبة كربون متقاربة على الجميع (بين 223 إلى 259 MRU/HL). والمفارقة أن الضريبة المفروضة على الفيول والبنزين (الأكثر تلويثا) تتقارب جدا، مما يعني غياب أي استراتيجية عقابية واضحة بناء على حجم الانبعاثات الفعلي.
- ثانيا: خنق الاستثمار المحلي (هوامش الربح الثابتة): تم تحديد هامش ربح الموزعين والمحطات بمبلغ ثابت وضئيل جداًوهو 0.8 أوقية فقط للتر (80 MRU/HL) لجميع المشتقات. هذا التجميد لا يتماشى مع معدلات التضخم لعام 2026، مما يضغط على المستثمرين المحليين ويهدد بتراجع جودة الخدمات وشروط السلامة في المحطات.
- ثالثاً: تناقض الخطاب الرسمي وتآكل المخزون:** قبل أقل من شهر (تحديداً في 7 مايو 2026)، خرج وزير الطاقة ليعلن عن فترات أمان ومضاعفة قدرات التخزين (اكتفاء ذاتي للديزل بـ 52 يوماً، والبنزين 41 يوماً). لكن قرار الزيادة الأخير صدر في لحظة حرجة يتآكل فيها المخزون الفعلي (البنزين تراجع لـ 16 يوماً، والغاز شارف على الصفر)، مما أفقد الخطاب الرسمي مصداقيته وفاجأ المستهلك دون خيارات للتكيف.
- رابعا: تجاهل المؤشرات الإحصائية الرسمية: جاءت هذه الزيادات التراكمية رغم صدور تقارير رسمية توثق بوضوح ارتفاع معدلات التضخم بشقيه المحلي والمستورد، مما يعني أن الإدارة اتخذت القرار وهي تمتلك الدليل الإحصائي على أثره الكارثي على القوة الشرائية.
- خامساً: غياب شبكات الأمان الاجتماعي والآليات الشفافة:
اتخذ القرار دون حزمة دعم اجتماعي موجه (لا دعم نقدي شامل، ولا استثناءات للمهن المتأثرة مباشرة كالصيادين التقليديين، المزارعين، وسائقي النقل العام). يضاف إلى ذلك غموض آلية ومعادلة احتساب السعر الدقيقة (هامش ربح المورد…إلخ)التي تظل غير منشورة للرأي العام للتحقق من عدالة هذه النسب.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الإرادة السياسية، بل في تفريط صانع القرار في أداة الحماية (الدعم) قبل بناء البديل البنيوي؛ مثل توفير تكرير محلي، أو تفعيل صناديق تثبيت حقيقية، أو تأمين عائدات غازية كافية. ونتيجة لذلك، يجد المواطن الموريتاني نفسه مجبرا على دفع ثمنين باهظين في آن واحد: ثمن الإصلاح الهيكلي المحاسبي، وثمن صدمات السوق الدولية المتقلبة.
د. الهادي ولد أبوه
خبير اقتصادي و أستاذ جامعي

اضافة تعليق