دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في في تعزيز الأمن الطاقوية بموريتانيا
وكالة أخبار البيئة - يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة في منظومات الطاقة نتيجة تزايد الطلب العالمي على الكهرباء والتحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتقلبات أسواق الوقود الأحفوري والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على أمن الإمدادات الطاقوية وفي هذا السياق برزت الطاقات المتجددة وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كخيار استراتيجي لتحقيق الأمن الطاقوي والتنمية المستدامة كما أضحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي أداة محورية لتعزيز كفاءة إنتاج الطاقة وإدارتها واستغلالها بشكل أمثل.
بالنسبة لموريتانيا فإن الحديث عن الأمن الطاقوي لا يقتصر على ضمان توفير الكهرباء للمواطنين فحسب بل يشمل كذلك بناء منظومة طاقوية مستقلة وقادرة على مواكبة متطلبات التنمية الاقتصادية والصناعية وتتمتع البلاد بمؤهلات طبيعية استثنائية تجعلها من بين أكثر الدول الإفريقية امتلاكًا لمصادر الطاقة المتجددة حيث تتمتع موريتانيا بواحد من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم حيث يتراوحGlobal Horizontal Irradiance (GHI)
بين 2000 و2300 kWh/m²/year بينما تتجاوز كثافة الإشعاع الشمسي المباشر Direct Normal Irradiance (DNI) في بعض المناطق 2800 kWh/m²/year وهي قيم تجعل البلاد مؤهلة لتطوير مشاريع ضخمة في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية (Photovoltaic Systems - PV)
أما فيما يتعلق بطاقة الرياح فتتميز المناطق الساحلية الموريتانية بسرعات رياح متوسطة تتراوح بين 8 و10 m/s على ارتفاع 100 متر، وهو ما يسمح بتحقيق Capacity Factor قد يتجاوز 45% في بعض المواقع وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمتوسط العالمي لمزارع الرياح.
إن مفهوم الأمن الطاقوي يرتكز على أربعة أبعاد رئيسية: توفر مصادر للطاقة وإمكانية الوصول إليها واستقرار الإمدادات والاستدامة البيئية.
ومن هذا المنطلق تمثل الطاقات المتجددة فرصة حقيقية لموريتانيا من أجل تقليص الاعتماد على الوقود المستورد وخفض تكاليف الإنتاج الكهربائي وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي خاصة في ظل التوجه العالمي نحو الانتقال الطاقوي.
وتلعب أنظمة الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في هذا المجال إذ تساهم في التنبؤ بالإنتاج الكهربائي اعتمادًا على البيانات المناخية والظروف الجوية كما تمكن من تحسين أداء الألواح الشمسية والعنفات الهوائية من خلال تقنيات التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة. فعلى سبيل المثال تسمح الخوارزميات الذكية بتوقع تغيرات الإشعاع الشمسي وسرعة الرياح بدقة عالية مما يساعد مشغلي الشبكات الكهربائية على تحقيق التوازن بين العرض والطلب وتقليل خسائر الطاقة.
كما أصبحت الشبكات الذكية (Smart Grids) أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، حيث تعتمد على أنظمة رقمية متطورة لمراقبة تدفق الكهرباء وإدارة الأحمال الكهربائية بشكل لحظي وتكتسي هذه التكنولوجيا أهمية خاصة في موريتانيا نظرًا لاتساع المساحة الجغرافية وتباعد التجمعات السكانية مما يجعل دمج مصادر الطاقة المتجددة داخل الشبكة الوطنية تحديًا تقنيًا يتطلب حلولًا مبتكرة تعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في خفض تكاليف الصيانة والتشغيل عبر اعتماد الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance) التي تسمح بالكشف المبكر عن الأعطال المحتملة في محطات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح قبل وقوعها وهو ما يؤدي إلى رفع المردودية التشغيلية وتقليل فترات التوقف غير المخطط لها.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر مع المشاريع الطموحة التي تعتزم موريتانيا تنفيذها في مجال الهيدروجين الأخضر والذي يُنتج عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة ويُنظر إلى هذا القطاع باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني خلال العقود القادمة حيث يمكن أن يجعل موريتانيا من بين أبرز الدول المصدرة للطاقة النظيفة على المستوى العالمي.
إن تحقيق الأمن الطاقوي في موريتانيا خلال العقود المقبلة لن يكون مرتبطًا فقط بوفرة الموارد الطبيعية بل كذلك بمدى قدرة الباحثين والمهندسين والخبراء الوطنيين على تطوير حلول علمية مبتكرة تجمع بين الطاقات المتجددة والتقنيات الرقمية الحديثة ومن هنا تبرز أهمية البحث العلمي والجامعات ومخابر البحث في دعم هذا التحول من خلال إنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات القادرة على قيادة مستقبل الطاقة في البلاد.
و من خلال مساري الأكاديمي في الفيزياء الطاقوية والطاقات المتجددة أرى أن التكامل بين الطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم محاور البحث العلمي في المرحلة الراهنة وليس فقط لما يوفره من حلول تقنية متقدمة بل لما يحمله من آفاق واعدة لتحقيق تنمية مستدامة وأمن طاقوي حقيقي لموريتانيا يضمن للأجيال القادمة الاستفادة المثلى من ثرواتها الطبيعية ويعزز مكانة البلاد ضمن الدول الرائدة في مجال الانتقال الطاقوي الأخضر.
محفوظ ابيبو
طالب ماجستير في الفيزياء الطاقوية والطاقات المتجددة

اضافة تعليق