مياه الصرف الصحي في نواكشوط: من عبء بيئي إلى ثروة اقتصادية مهدورة



ي الوقت الذي تبحث فيه الدول عن مصادر جديدة للمياه والطاقة والموارد الاقتصادية، ما تزال العاصمة نواكشوط تتعامل مع مياه الصرف الصحي باعتبارها مجرد نفايات يجب التخلص منها، رغم أنها في الحقيقة تمثل ثروة وطنية يمكن أن تساهم في التنمية الاقتصادية، وحماية البيئة، ومكافحة التصحر، وخلق فرص عمل جديدة.

فكل يوم تتدفق آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي عبر الصهاريج وشبكات التصريف، ويتم تفريغها دون استغلال حقيقي لقيمتها الاقتصادية والبيئية. وهنا يبرز السؤال المشروع: لماذا ننفق الأموال للتخلص من هذه المياه، بدل أن نحولها إلى مصدر دخل واستثمار؟

إن العديد من الدول التي تعاني من ندرة المياه أدركت منذ سنوات أن مياه الصرف الصحي المعالجة ليست مشكلة، بل فرصة. فقد أصبحت هذه المياه تستخدم في ري الأحزمة الخضراء، والحدائق العامة، والمشاريع الزراعية، وفي تغذية الغابات الاصطناعية التي تحمي المدن من زحف الرمال والعواصف الترابية.

أما في نواكشوط، فإن الحاجة إلى مثل هذه المشاريع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمدينة تواجه باستمرار خطر التصحر وزحف الرمال، كما تنفق مبالغ معتبرة على عمليات التشجير والصيانة دون تحقيق نتائج مستدامة بسبب نقص المياه.

ومن هنا يمكن التفكير في مشروع وطني طموح يقوم على إنشاء محطة حديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وربطها ببرنامج تشجير واسع النطاق حول العاصمة. ويمكن استخدام المياه المعالجة في إنشاء حزام أخضر يحيط بمدينة نواكشوط، يتكون من الأشجار المقاومة للجفاف والملوحة، بما يشكل حاجزاً طبيعياً أمام الرمال ويحسن المناخ المحلي ويزيد من المساحات الخضراء.

ولا يقتصر العائد على الجانب البيئي فقط، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي. فالمياه المعالجة يمكن بيعها للمشاريع الزراعية والبستنة، كما يمكن استغلال الحمأة الناتجة عن المعالجة في إنتاج السماد العضوي، وهو منتج مطلوب في القطاع الزراعي. بل إن بعض التقنيات الحديثة تسمح بإنتاج الغاز الحيوي والطاقة الكهربائية من مخلفات الصرف الصحي، مما يضيف مورداً اقتصادياً جديداً.

إن مشروعاً من هذا النوع يمكن أن يوفر عشرات الوظائف المباشرة وغير المباشرة في مجالات التشغيل والصيانة والتشجير والزراعة والنقل والخدمات البيئية، كما يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات بين الدولة والقطاع الخاص والبلديات.

والحقيقة أن التحدي اليوم ليس في نقص الموارد، بل في طريقة التفكير. فما نعتبره نفايات قد يكون في الواقع مورداً استراتيجياً إذا أحسن التخطيط له. ومياه الصرف الصحي في نواكشوط خير مثال على ذلك.

لقد آن الأوان للانتقال من سياسة التخلص من مياه الصرف الصحي إلى سياسة استثمارها. فالعاصمة بحاجة إلى مشاريع ذكية ومستدامة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق العائد الاقتصادي وخدمة المواطنين.

إن تحويل مياه الصرف الصحي إلى مورد منتج ليس حلماً بعيد المنال، بل خياراً تنموياً واقعياً أثبت نجاحه في عشرات الدول. وما ينقصنا اليوم هو الإرادة والرؤية والاستثمار في مشروع وطني يجعل من هذه المياه المهدرة مصدراً للحياة والتنمية، بدلاً من أن تبقى عبئاً بيئياً واقتصادياً متزايداً.

فهل يأتي اليوم الذي تتحول فيه صهاريج الصرف الصحي في نواكشوط من ناقلات للنفايات إلى روافد لمشروع أخضر يحمي العاصمة ويصنع الثروة للأجيال.

محمدو ولد الطالب
مهندس

يتم التشغيل بواسطة Blogger.