الهيدرجين الأخضر..القول السديد/علي سالم ولد السالك
الهيدروجين هو أبسط
العناصر الكيميائية وأكثرها وفرة في الأرض بل في الكون؛ يتكوّن من بروتون واحد
وإلكترون واحد فقط، مما يجعله أخف عنصر في الجدول الدوري. وقد استُخدم منذ زمن
طويل في الصناعة، لكنه عاد اليوم إلى الواجهة باعتباره حاملًا واعدًا للطاقة يمكن
إنتاجه من مصادر متعددة وتخزينه واستخدامه دون انبعاثات مباشرة عند الاستعمال. غير
أن ما يُتداول حول “ألوان” الهيدروجين—كالرمادي والأزرق والأخضر—لا يتعلق بخصائصه،
بل بطريقة إنتاجه؛
وفيما يلي أهم أنواع
الهيدروجين حسب طريقة الإنتاج وخصائصها،:
- الهيدروجين الرمادي (Grey Hydrogen):يُنتج أساسًا من الغاز
- الهيدروجين الأزرق (Blue Hydrogen):يُنتج بنفس طريقة الرمادي تقريبا
- الهيدروجين الأخضر (Green Hydrogen):يُنتج عبر التحليل الكهربائي للماء (Electrolysis) باستخدام طاقة متجددة (الشمس، الرياح).الخاصية: نظيف تقريبًا وخالٍ من الانبعاثات أثناء الإنتاج، لكنه ما يزال مرتفع التكلفة.
- الهيدروجين البني/الأسود (Brown/Black Hydrogen):يُنتج من الفحم (الليغنيت أو الفحم الحجري).الخاصية: الأعلى في الانبعاثات والأكثر ضررًا بيئيًا.
- الهيدروجين الفيروزي (Turquoise Hydrogen):يُنتج عبر التحلل الحراري للميثان
- الهيدروجين الوردي/النووي (Pink Hydrogen / Nuclear Hydrogen):يُنتج باستخدام الكهرباء المولدة من الطاقة النووية في التحليل الكهربائي.
- الهيدروجين الأبيض (White Hydrogen / Natural Hydrogen):يوجد بشكل طبيعي في باطن الأرض ويُستخرج مباشرة واعد من حيث التكلفة والانبعاثات، لكنه لا يزال غير مستغل على نطاق واسع.
وهكذا، فإن “ألوان”
الهيدروجين ليست سوى تصنيف مبسّط يعكس الأثر البيئي وتكنولوجيا الإنتاج، لا طبيعة
العنصر نفسه
ورغم جاذبية الفكرة،
فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين، بل في صعوبة نقله
وتخزينه، إذ يتميز بكثافة منخفضة جدًا، ما يعني أن حجمه كبير مقارنة بوزنه،
ويستلزم ضغطًا عاليًا أو تبريدًا شديدًا، وهو ما يرفع التكاليف ويعقد العمليات
اللوجستية. لذلك اتجهت الجهود إلى تحويله إلى أمونيا خضراء لتسهيل نقله، غير أن
هذه العملية بدورها تؤدي إلى فقدان جزء معتبر من الطاقة أثناء التحويل ذهابًا
وإيابًا، مما يجعل الحاجة ملحة إلى مزيد من البحث العلمي لتحسين الكفاءة وتقليل
الفاقد.
في هذا السياق، لا
يزال تبني الهيدروجين من قبل الصناعات الكبرى كالحديد والصلب والسيارات والتعدين
محدودًا، حيث تفضل هذه القطاعات الاعتماد على النفط والغاز نظرًا لانخفاض تكلفتهما
وتوفر بنيتهما التحتية واستقرار إمداداتهما، في حين يبقى الهيدروجين خيارًا غير ناضج
تجاريًا بالشكل الكافي. لذلك تدخلت الحكومات، خاصة في أوروبا وأمريكا، عبر حوافز
كبيرة تشمل إعفاءات ضريبية ودعمًا مباشرًا وتمويلًا ضخمًا لتقليص الفجوة وتشجيع
الاستثمار.
وفي هذا الإطار الدولي
الداعم، تبرز موريتانيا كحالة واعدة بفضل ما تتمتع به من إمكانيات طبيعية هائلة،
خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ما يجعلها موقعًا مناسبًا لإنتاج
الهيدروجين الأخضر بتكلفة تنافسية. وقد بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات مهمة، من بينها
إصدار مدونة للهيدروجين الأخضر واستقطاب اهتمام عدد من الشركات الدولية، غير أن
تعظيم الاستفادة من هذه المقومات ما يزال يتطلب مزيدًا من التطوير في البنية
التحتية وتعزيز وضوح الإطار القانوني والحوافز الاستثمارية، بما يواكب الطموحات
ويقربها من التجارب الدولية الراءدة
ومن هنا، يبدو أن
التعويل على الهيدروجين وحده في المدى القريب قد لا يكون الخيار الأكثر واقعية، إذ
يظل مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، كما أن زخمه الحالي يرتبط بدرجة كبيرة
باحتياجات الأسواق الأوروبية والأمريكية الساعية إلى إزالة الكربون أكثر مما يرتبط
بحل الإشكالات الطاقوية المحلية في موريتانيا. وفي هذا السياق، ينبغي إدراك أن
أغلب المشاريع المطروحة تستهدف أساسًا إنتاج الهيدروجين للتصدير، ما يعني أن دور
موريتانيا سيكون، في المرحلة الراهنة، أقرب إلى منصة إنتاج أو “قاعدة صناعية”، مع
استفادة جزئية عبر العائدات وفرص العمل ونقل بعض الخبرات، دون أن تكون شريكًا
كاملًا في ملكية أو توجيه هذا الإنتاج.
لذلك، وقبل التعويل
على هذه المشاريع بعيدة المدى، تفرض الحاجة الحالية حلولًا أكثر إلحاحًا، وفي
مقدمتها استغلال الغاز الطبيعي، خاصة في حقول احميم وبيرالله، لتوليد الكهرباء
محليًا وتقليل الاعتماد على الخارج. كما ينبغي توجيه الصناعات الكبرى مثل SNIM وMCM وTasiast إلى استخدام
الغاز كمصدر للطاقة، لما يوفره من كفاءة أعلى وانبعاثات أقل، إلى جانب العمل على
استغلال غاز البوتان (LPG) الذي يُعد منتجًا ثانويًا في عمليات
التسييل، عبر عزله محليًا وبناء بنية تحتية للتخزين والتوزيع، بما في ذلك شبكات
غاز حضرية على الأقل في العاصمة
وفي موازاة ذلك،
تتواصل الجهود في مجال الهيدروجين الأخضر، حيث لا تزال المشاريع المطروحة في
موريتانيا في مراحلها الأولى، إذ يتركز العمل حاليًا على الدراسات التمهيدية
والاستكشافية. وقد وصلت بعض المشاريع الأكثر تقدمًا إلى إنجاز دراسات جيوتقنية،
وإجراء قياسات ميدانية لسرعات الرياح وتحديد الارتفاعات المثلى لتوربينات الطاقة،
إضافة إلى تحاليل أولية للتربة، في إطار تقييم الجدوى الفنية والاقتصادية قبل
الانتقال إلى مراحل التنفيذ الفعلي
أهم هذه المشاريع في موريتانيا وتفاصيلها:
1. مشروع "أمان" (AMAN) - الأضخم
عالمياً
المطور: شركة CWP Global.
الموقع: ولايتي داخلت
نواذيبو وإينشيري، على مساحة 8,500 كم².
القدرة: يهدف لإنتاج
30 جيجاوات
الإنتاج المتوقع: 1.7
مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً.
2. مشروع "نور" (NOUR)
المطور: شراكة بين
شركة Chariot البريطانية ومجموعة TotalEnergies H2 الفرنسية.
الموقع: منطقتين
بريتين شمال موريتانيا بمساحة إجمالية 5,000 كم².
القدرة: يستهدف إنتاج
10 جيجاوات
الإنتاج المتوقع:
حوالي 600 ألف طن من الهيدروجين الأخضر
سنويا
3. مشروع "نايرة" (NAIRA)
المطور: ائتلاف تقوده
شركة Conjunction الألمانية بالتعاون مع شركات مثل Infinity Power.
الموقع: بالقرب من
مدينة نواكشوط.
القدرة: يستهدف إنتاج
10 جيجاوات.
الإنتاج المتوقع:
حوالي 140 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا
4. مشروع "ميغاتون موون" (Megaton Moon)
المطور: شركة GreenGo Energy الدنماركية.
الموقع: مساحة تزيد عن
100 ألف هكتار بالقرب من نواكشوط.
القدرة: يستهدف 6
جيجاوات
الإنتاج المتوقع: 700
ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا
5. مشروع الأمونيا الخضراء لموريتانيا (MGA)
المطور: شركة Hynfra البولندية
بالتعاون مع شركاء محليين.
الموقع: ميناء نواكشوط
المستقل.
القدرة: يستهدف 0.6
جيجاوات
الإنتاج المتوقع: حوالي 18
ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا
أبرز التحديات التي تواجه مشاريع الهيدروجين
الأخضر :
1. التمويل الضخم (تكلفة الاستثمار)
حجم الاستثمارات:
المشاريع المذكورة تتطلب مئات المليارات من الدولارات (مشروع "أمان"
وحده يحتاج حوالي 40 مليار دولار)، وهو مبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي
لموريتانيا بعدة أضعاف.
أسعار الفائدة: ارتفاع
تكلفة الاقتراض عالمياً يزيد من ضغوط التمويل على الشركات المطورة.
2. البنية التحتية والموانئ
الموانئ المتخصصة:
تصدير الهيدروجين أو الأمونيا الخضراء يحتاج إلى أرصفة ومحطات تخزين متطورة جداً
غير متوفرة حالياً في ميناءي نواذيبو أو نواكشوط بالقدرة المطلوبة.
شبكات النقل: تحتاج
المشاريع لبناء شبكات نقل كهربائية عملاقة ومناطق معالجة في بيئات صحراوية قاسية
وبعيدة.
3. وفرة المياه (التحلية)
إنتاج الهيدروجين
الأخضر يعتمد على التحليل الكهربائي للماء. موريتانيا بلد يعاني من ندرة المياه،
مما يفرض بناء محطات تحلية مياه عملاقة تعمل بالطاقة المتجددة، وهذا يضيف طبقة
جديدة من التكلفة والتعقيد التقني.
4. التحديات التقنية واللوجستية
سلاسل الإمداد: هناك
منافسة عالمية شديدة على (المحللات الكهربائية/Electrolyzers) وتوربينات
الرياح، مما قد يؤخر الجداول الزمنية للتنفيذ.
5.العمالة االمتخصصه: تحتاج هذه الصناعة لآلاف
المهندسين والتقنيين المختصين، وهو ما يتطلب برامج تدريب وطنية مكثفة لسد الفجوة
في الخبرات المحلية.
6. سوق المشتريين (الطلب العالمي)
رغم الاهتمام
الأوروبي، لا تزال (عقود الشراء طويلة الأجل /Off-take agreements) في مراحلها الأولى. الشركات تحتاج لضمان وجود مشترين بأسعار
محددة قبل البدء الفعلي في البناء.
7. البيئة والمناخ العام
تحديات المناخ: الغبار
والرمال في الصحراء الموريتانية قد تؤثر على كفاءة الألواح الشمسية وتتطلب عمليات
تنظيف وصيانة مستمرة ومكلفة.
8.الاستقرار الإقليمي: تقع المشاريع في منطقة
الساحل، مما يجعل أمن المنشآت الطاقوية أولوية قصوى للمستثمرين الدوليين
يمثل الهيدروجين
الأخضر أفقًا استراتيجيًا مهمًا في تحول الطاقة عالميًا، غير أن نضجه التقني
والاقتصادي لا يزال يتطلب وقتًا، ما يجعله خيارًا بعيد المدى أكثر منه حلًا آنيًا.
كما أن اندفاعه الحالي يعكس بدرجة كبيرة أولويات أوروبا وأمريكا في إزالة الكربون،
وليس بالضرورة استجابة مباشرة لتحديات الطاقة في موريتانيا. ومن هذا المنطلق، فإن
تقديمه للمواطن كمصدر ثروة محتمل على المدى الطويل يبقى طرحًا معقولًا، أما تسويقه
كحل قريب لأزمة الطاقة المحلية فينطوي على قدر من التبسيط المخل.
وعليه، فإن المقاربة
الرصينة تقتضي الجمع بين وضوح الرؤية وواقعية الخيارات: رفض المبالغة أو “بيع
الوهم”، مقابل تبني سياسات عملية تستند إلى استغلال الموارد المتاحة حاليًا، وفي
مقدمتها الغاز، مع الاستثمار المتدرج والمدروس في تقنيات المستقبل، بما يضمن
انتقالًا طاقيًا متوازنًا يجمع بين تلبية الحاجات الآنية وبناء فرص الغد.
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾

اضافة تعليق