قراءة تحليلية في حادثة انهيار الخزانات قيد الإنشاء:
إن مشكلة الخزانات التي انهارت أمام الرياح لا يمكن إرجاعها جزافاً ودون تحقيق إلى المخططات النهائية، أو جودة المواد المستخدمة، أو الجانب الهندسي البحت؛ فهذه الفرضيات تتطلب تحقيقاً وتدقيقاً فنيين دقيقين لإثباتها ولا يجوز إلقاؤها جزافاً، فضلاً عن أن الخوض في تفاصيل إجراءات التنفيذ والكود المتبع يُعد أمراً مستبعداً نظراً لكونها منصوصاً عليها بوضوح مسبقاً، بل إن المشكلة من النظرة الأولى والانطباع الأول الذي تكون لدىنا تكمن في مستوى الالتزام الفعلي بإجراءات السلامة والتعامل الفعال مع سجل المخاطر
(Risks Register)
اللذي يُعد الوثيقة الأهم على الإطلاق بين وثائق أي مشروع؛ نظراً لأنه يمثل الخريطة الحية التي تحدد بوضوح كافة التهديدات والمخاطر المحتملة (الفنية، البيئية، والتشغيلية)، ويضع لها خطط الاستجابة والتعامل المسبق، مما يضمن الجاهزية التامة للتعامل مع أي طارئ أو تغيرات مناخية واستثنائية دون ارتجال.
إن ما حدث ليس مجرد توقع يدخل في إطار التنبؤ النظري أو الاستقراء، بل هو الخطر الأول الذي يواجه هذا النوع من المباني قيد الإنشاء. وهناك مسطرة إجراءات احترازية يجب الالتزام بها طوال فترة وجود الخطر، كما أن هناك أصلاً مسطرة إجراءات خاصة بموسم الأمطار والعواصف الترابية؛ حيث يكون التهديد مستمراً ومفاجئاً طوال تلك الفترة، وعلَى الشركة المنفذة التعامل معه بيقظة تامة.
وفي هذا السياق، يتردد بين الناس أن العاصفة لم تخلف أضراراً واسعة النطاق في نواكشوط سوى ما لحق بهذه الخزانات. وبالنسبة لسرعة الرياح والظروف المناخية بدقة، فإن إدارة الأرصاد الجوية تبقى الجهة المخولة بتوفير البيانات والمعلومات العلمية الدقيقة.
منظومة المراقبة والمسؤوليات المشتركة
عموماً، لا تعمل الشركة المنفذة وحدها في المشروع، بل يرافقها مكتب رقابة يتلقى بدوره مبالغ مالية هامة لمتابعة ومراقبة الأشغال، وفرض تطبيق معايير الجودة في التنفيذ؛ لكي يؤدي المشروع إلى إنتاج يطابق المواصفات المنصوص عليها، وفي الآجال المتفق عليها، وضمن التكاليف المالية المحددة.
ويتم تسلم الأشغال عادة على ثلاث مراحل رئيسية:
* التسلم المؤقت الجزئي: وهو تسلم شبه يومي للأشغال للتأكد من استحقاق الشركة المنفذة للمبالغ المفوترة.
* التسلم المؤقت الشامل: وهي المرحلة التي تبقى فيها المنشآت تحت ضمان الشركة المنفذة حتى يتم التسلم النهائي.
* التسلم النهائي: وفيه تتم إخلاء مسؤولية الشركة بالكامل ورفع الحجز عن الضمانات المالية المحتجزة.
على الرغم من أننا لسنا مطلعين تفصيلياً على مخططات المنشأة، ولا على الطريقة التي اتبعت في إرساء الصفقة،
ولا على موقع أو دور شركة اداكس في هذا المشروع
إلا أنه من المفترض أن يكون هذا المشروع الوطني موزعاً بوضوح بين الأطراف الرئيسية التالية ::
| رب العمل (الجهة المستفيدة) | الوزارة المعنية | Maître d'Ouvrage |رب العمل المفوض (إدارة المشروع)
الإدارة المكلفة بالمشروع | Maître d'Ouvrage Délégué
مكتب الرقابة (المكتب الاستشاري)
مكتب دراسات فاز بالمناقصة | Bureau de Contrôle
الشركة المنفذة (المقاول)
الشركة الفائزة بالمناقصة | Entreprise Exécutante
وعادة ما يكون لرب العمل المفوض مراقب دائم أو منسق حاضر بشكل مستمر لجميع مراحل التنفيذ، وعلى تواصل دائم مع الإدارة المعنية.
إن رصد أي قصور أو إحجام من قِبل الأطراف المعنية عن تطبيق معايير السلامة العامة، ولا سيما الإجراءات الاحترازية الخاصة بموسم الأمطار والعواصف، يُحتم قطعاً فتح تحقيق فني وقانوني شامل وإجراء تدقيق دقيق؛ إذ إن تحديد المسؤوليات بدقة وفتح تحقيق شفاف يشمل كافة المتدخلين في سلسلة المشروع يُعدان خطوة أساسية لاستخلاص العبر، وتصحيح المسار الهندسي والإداري، وضمان سلامة البنى التحتية الوطنية في وجه التحديات المناخية لمنع تكرار هذه الكوارث مستقبلا.
المهندس علي سالم السالك
استشاري وخبير موثق في مشاريع البني التحتية

اضافة تعليق